حسن الأمين

60

مستدركات أعيان الشيعة

أحجم عنه ملك من ملوك عهود الاستبداد . ولم يعهد عنه أنه أوقع ظلما بأحد من الناس العاديين المسالمين المنصرفين إلى أعمالهم الخاصة لا دخل لهم في سياسة ولا مرام لهم في حكم . وهذه وقائع لم نأخذها من مصادر مؤرخي العهد القاجاري من الإيرانيين دأبوا على تزكية « آقا محمد خان » وخلفائه وتغطية سيئاتهم ونشر فضائلهم بالحق أو بالباطل تملقا منهم للملوك والأمراء الحاكمين ، بل أخذناها من مصادر المؤرخين الأوروبيين الذين ساحوا في إيران وكتبوا الوقائع كتابة موضوعية خالية من الغرض . ومع أن هؤلاء المؤرخين الأجانب لم يغفلوا سيئاته ولا غفلوا عن طغيانه ، بل ذكروا كل شيء عنها ، فإنهم مجمعون على أن سلوكه ، بوجه عام ، كان بالنسبة إلى الناس سلوكا معتدلا . وأن رجال الدين كانوا راضين عنه . وكان عطوفا عليهم يبر الفقراء منهم برواتب دائمة . مقدمة قتل آقا محمد خان الموظفون الذين يديرون أعمال دار السقاية والفرش والمكتبة وأمثالها في البلاط يسمونهم « عمال الخلوة » . وهم ، بطبيعة عملهم يظلون قريبين من الملك لأن مهمتهم هي تأدية الأعمال الخاصة بشخصه . وكان من عمال خلوة « آقا محمد خان » رجل اسمه « صادق خان النهاوندي » . وقد ذكرنا أن « آقا محمد خان » قد صان « شماخي » بعد فتحها من الإغارة عليها وحظر على الجند إعمال السلب والقتل والسبي فيها . وقد ذكر العقيد الانكليزي « غولدا سميث » أن « صادق خان » هذا - وكان ذا نفوذ في حاشية الخصي القاجاري - واثنين آخرين من عمال الخلوة ( 1 ) ، ذهبوا ، بعد احتلال « شماخي » ، إلى بيت أحد أغنيائها وسلبوا منه خمسة آلاف تومان وحلي ذهبية مدعين أن « آقا محمد خان » أمرهم بذلك . وقد فعلوا ذلك في الليلة التي عزم « آقا محمد خان » على العودة في فجرها إلى « شوشي » . ولذلك كان « صادق خان » ورفيقاه مطمئنين إلى أن الرجل المسلوب لن يستطيع الوصول إلى « آقا محمد خان » لرفع شكواه إليه . وفي الصباح ذهب المسلوب قاصدا إلى « آقا محمد خان » ليرفع إليه شكواه . ولكن هذا كان قد سارت ركابه قاصدة « شوشي » فلم يستطع الوصول إليه . فانطلق في أثره إلى « شوشي » . وهناك لم ينفعه أحد ممن شكا لهم ظلامته في هدايته إلى وسيلة تمكنه من إيصال شكواه إلى « آقا محمد خان » ، إلى أن أشار عليه أحدهم بمراجعة المجتهد « حاجي بابك » . فذهب إليه . وساله « حاجي بابك » إن كان يعرف أسماء المعتدين أو بعضها فأجاب بالنفي . فسأله عن أشكالهم ، فقال على أنف أحدهم ندبة . فقال : هل تعرفه إذا رأيته ؟ فقال : نعم . فقال المجتهد : عيد الغدير يقع بعد ثلاثة أيام . وسأذهب يوم العيد لتهنئة « آقا محمد خان » بالعيد وأسلمه رسالة بشكواك . وكتب « حاجي بابك » رسالة إلى « آقا محمد خان » بالظلامة وأخبره بالعلامة التي ذكر الشاكي أنها على أنف أحد المعتدين وبين مقدار المال المسلوب . وفي يوم عيد الغدير ذهب إلى مجلس « آقا محمد خان » لتهنئته . ولما أراد الانصراف من المجلس ناوله الرسالة ومضى . فلما قرأ « آقا محمد خان » الرسالة ظن أن أحد المعتدين هو « صادق خان النهاوندي » إذ كان على أنفه مثل تلك العلامة . فكتب إلى « حاجي بابك » يطلب إرسال المعتدى عليه إليه في صباح الغد وقت الصلاة . وأمر « صادق خان النهاوندي » نفسه بإيصال هذه الرسالة إلى حاجي بابك « . فلما حضر الشاكي أوقفه « آقا محمد خان » في جانب من المجلس بحيث لا تبين سحنته للرائي ، وقال له سأدعو الآن رجلا إلى الحضور . واحرص أنت على أن لا تجعله يتبين وجهك . ولكن دقق النظر فيه وتبين هل هو أحد الرجال الذين سلبوك أم لا . ثم أمر بإحضار « صادق خان النهاوندي » فحضر . فسأله « آقا محمد خان » : هل وصلت الرسالة التي أعطيتك إياها البارحة إلى يد « حاجي بابك » ؟ فقال : نعم . فقال « آقا محمد خان » : أخرجوا هذه القناديل إذ قد أضاء النهار ولا حاجة إليها . فتقدم « صادق خان » ورفع القناديل وخرج بها . عندئذ التفت « آقا محمد خان » إلى الشاكي وساله : هل هذا هو الشخص الذي سلبك ؟ فقال : نعم . عرفت سحنته وعرفت صوته أيضا . فقال له « آقا محمد خان » : امض إلى منزلك وامكث فيه إلى أن يصلك خبر مني . واحرص ، وأنت خارج ، على إخفاء وجهك لا يتبينه أحد ممن يراك . وحين علا النهار أحضر « آقا محمد خان » الخادم « صادق خان النهاوندي » وأمره بان يذهب إلى قرية قريبة ويأتيه بشيء من المشمش . فمضى إليها . وانتظر « آقا محمد خان » حتى ابتعد « صادق خان » عن المدينة فأمر بكبس بيته . فوجدوا فيه الحلي الذهبية المسلوبة من الشماخي المتظلم وحملوها إلى « آقا محمد خان » . وأحضر الشاكي وعرضت عليه الحلي المصادرة . فلما رآها قال : نعم هذه الحلي بعض ما سلب مني في تلك الليلة . فقال « آقا محمد خان » : بقية المسروقات عند الرجلين الآخرين وغدا صباحا ساعرف من هما أيضا ، وتستعيد أنت كل ما سلب منك . ويلقى المعتدون جزاءهم . وفي صباح اليوم التالي عاد « صادق النهاوندي بالمشمش . وقبل أن يدخل على » آقا محمد خان « تلقاه رفيقاه وأخبراه بكبس منزله والعثور على الذهب فيه . وعندئذ أدرك » صادق خان « كل شيء . وفيما الثلاثة يتشاورون في ما يفعلون للخروج من المأزق جاء من ينادي « صادق خان » للحضور عند « آقا محمد خان » يبلغه عن لسانه أنه ينتظر المشمس الذي أوصى عليه . وطمانت هذه الدعوة « صادق خان » إذ رأى أن اهتمام « آقا محمد خان » بالمشمش معناه أنه غير مهتم بموضوع الشكوى . فحمل المشمس إليه . ونظر « آقا محمد خان » فيه ثم ذاقه ، وأخذ يحدث « صادق خان » عن خواص المشمش الصحية وأي الأوقات هي الأفضل لتناوله . وبعد أن أكل منه قليلا أمره أن يحمله إلى دار السقاية . وعاد إلى رفيقيه ، وكان ينتظر انه بفارغ الصبر . فطمانهما وقال إنه لا يتوقع أن يقدم « آقا محمد خان » على عمل غير مقاسمتهم ما سلبوه من الرجل ، وأنه يحتمل أن يرضى بالنصف ، فإن لم يرض به وهبوه المال المسلوب كله وظلوا في عملهم في خدمته . وكان « آقا محمد خان » قد وضع عيونا على « صادق خان » لينظروا من هو أول من يلقاه ويحدثه حين يصل من القرية ، ومن الذي يلقاه ويحدثه أيضا

--> ( 1 ) ذكرهم « مهدي بامداد » في كتابه « شرح حال رجال إيران » نقلا عن كتاب « روضة الصفاء » تأليف « رضا قلي خان هدايت » ، بأسماء : « صادق الكرجي » و « خدا داد الأصفهاني » و « عباس المازندراني » .